الشيخ محمد رشيد رضا

497

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( تنبيه غافل ، وتعليم جاهل ) يسيء كثير من المسلمين تأويل حديثي ثوبان وغيرهما من أحاديث الفتن ويحملونها على ما يضرهم ، وهو ما لم يرده الرسول ( ص ) ولا يرضاه لهم ، فوجب أن نبين الحق في ذلك فقول إن لأحوال الأمم العامة تأثيرا عظيما في فهم أفرادها لنصوص الدين وغيرها من أقوال الحكماء والشعراء ، فهي في حال ارتقائها بالعلم والحكمة ، وما يثمران من العزة والقوة ، تكون أصح افهاما ، وأصوب أحكاما ، وأكثر اعتبارا وادّكارا ، وأحسن استفادة واستبصارا ، وفي حال فشو الغباوة والجهل ، وما ينتجان من الضعف والذل ، تكون بالضد من ذلك ، وأضرب مثلا لذلك النصوص والحكم المنظومة والمنثورة في ذم الطمع والحرص على المال وزينة الدنيا وما يقابلها من تعظيم أمر الآخرة والترغيب في معالي الأمور وبذل المال في سبيل الحق - لم تكن تلك النصوص والحكم والاشعار والأمثال بصادّة للأمة في طور حياتها وارتقائها عن الفتح والكسب ، واحراز قصب السبق ، في جميع ميادين التنازع على السيادة وموارد الرزق ، بل كانت هي الحافزة لها إلى ذلك بقصد اعزاز الملة ، ورفع شأن الأمة ، لذلك كانوا يبذلون تلك الأموال بمنتهى السخاء في سبيل البر وأعمال الخير ، ولو حفظ المتأخرون منا ما حبسه من قبلهم من الأوقاف على جميع المصالح العامة وأنواع البر لوجدوا أن جميع ما ملكوه من الأرض كان وقفا بل وقف مرارا ، لان الخلف الطالح صار يحول أوقاف السلف الصالح إلى ملك حتى كان عم والدي الشيخ النقاد الخبير السيد أحمد أبو الكمال يقول على سبيل المبالغة في هذا المعنى : في كل مئة سنة يتحول كل وقف في طرابلس الشام ملكا وكل ملك وقفا وكانت تلك النصوص والحكم للأمة في تلك الحياة كالغذاء الصالح للجسم السليم يزيده قوة ويحفظ له حياته ويعوضه عن كل ما ينحل منه من الدقائق الميتة

--> - الحقيقة وكراهة الموت ولو في سبيل الحق حرصا على هذه الحياة الخسيسة . وأجدر بهذا الحديث أن يعد من أعلام النبوة كالذي قبله « تفسير القرآن الحكيم » « 63 » « الجزء السابع »